إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي

238

الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )

لقوله : { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ } كَذَا إِلَى آخِرِهِ . وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ قَالُوا : إنها ( 1 ) نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ ، أَوْ فِي رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ( 2 ) . وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ } ( 3 ) فَهُمْ ( 4 ) ( شَرَّعُوا ) ( 5 ) شِرْعَةً ، وَابْتَدَعُوا فِي مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذِهِ الْبِدْعَةَ ، تَوَهُّمًا أَنَّ ذَلِكَ يُقَرِّبُهُمْ مِنَ اللَّهِ كَمَا يُقَرِّبُ مِنَ اللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْحَقِّ ، فَزَلُّوا وَافْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِذْ زَعَمُوا أَنَّ هَذَا مِنْ ذَلِكَ وَتَاهُوا فِي المشروع ، فلذلك قال تَعَالَى عَلَى إِثْرِ الْآيَةِ : { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ } ( 6 ) ، وَقَالَ سُبْحَانَهُ : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلاَدَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ } ( 7 ) ، فهذه فذلكة مجملة ( 8 ) بعد تفصيل تقدم ، وهو قوله تعالى :

--> = ثم نقل عن القاضي أبي محمد قوله عن هذين القولين : " هذان القولان بعيدان من الاستقامة على ألفاظ الآية " . انظر : المحرر الوجيز ( 4 / 115 ) . وقال عن لفظ زعم : " تقول العرب : زعم فلان كذا في الأمر الذي يضعف فيه التحقيق ، وتتقوى فيه شبه الإبطال ، فغاية درجة الزعم إذا قوى أن يكون مظنوناً . . . وكذلك زعم المنافقين أنهم يؤمنون هو مما قويت فيه شبهة الإبطال لسوء أفعالهم ، حتى صححها الخبر من الله تعالى عنهم . ومن هذا قول النبي صلّى الله عليه وسلّم : " بئس مطية الرجل زعموا " . انظر : المحرر الوجيز لابن عطية ( 4 / 113 - 114 ) . ( 1 ) في ( خ ) و ( ط ) : " إنما " . ( 2 ) قال الإمام ابن كثير في سبب نزول الآية : " أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما ، فجعل اليهودي يقول : بيني وبينك محمد ، وذاك يقول : بيني وبينك كعب بن الأشرف ، وقيل في جماعة من المنافقين ممن أظهر الإسلام ، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية ، وقيل غير ذلك ، والآية أعم من ذلك كله ، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة ، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل ، وهو المراد بالطاغوت هنا " . ( 1 / 786 ) ، وقد ذكر الإمام ابن الجوزي أربعة أقوال في سبب نزول الآية ، فانظر زاد المسير ( 2 / 118 - 120 ) ، وأسباب النزول للواحدي ( ص 191 - 194 ) . ( 3 ) سورة المائدة : آية ( 103 ) . ( 4 ) في ( غ ) : " فهؤلاء " . ( 5 ) في ( م ) و ( خ ) و ( ت ) : " أشرعوا " . ( 6 ) سورة المائدة : آية ( 105 ) . ( 7 ) سورة الأنعام : آية ( 140 ) . ( 8 ) في ( م ) و ( خ ) : " بجملة " ، وفي ( ط ) : " لجملة " .